رمضان جدي اليوم

لنكهات زمان موضع في القلب يحن دائماً إلى تلك الأيام , رمضان كان يأتي ضيفاً من الحنان الدافء في الشتاء , كان العائلة تجلس على طاولة الطعام بإنتظار سماع صوت مدفع الإفطار , أذكر أن المدفئة كان لها طعم آخر من الدفء , كان دفئها يشعرني بسعادة غامرة ترسم إبتسامة ما عادت نفسها في هذه الأيام …
أتسابق أنا وأخوتي في الذهاب إلى فرن جدي العتيق لنأخد حصتنا من الخبز , هناك نوع من الخبز لا يصنعه جدي إلا في رمضان , كنا نسميه خبز رمضان , نجلس بجانبه وننظر إلى وجه المحمر من شدة حرارة الفرن بإعجاب , يبادلنا النظرات والضحكات وهو يعمل , يصنع خبزاً مدللاً خاص بنا , جدي إستطاع أن يركّب مزيح عمله الصعب وتعرضه بشكل مباشر لساعات أمام بيت النار* مع صيام بدون ماء , بنظري جدي كان بطل ومازال كذلك لحد اليوم
يقول لي جدي في رمضان وسأسرده باللهجة العامية كما قاله : رمضان يا جدي يعني الخير , كل شيء فيه إلو بركة خاصة , زمان كان رمضان يجيب مع بركة وعمل أكثر من هلأ , يا جدي … جدك الثاني والد والدك كان يجلس عندي ويطلب الخبر الساخن كل يوم , بتعرف يا جدي  أن جدك هو الذي بنى هذا الفرن لي , كان جدك بناءاً ماهراً في هداك الوقت , وها أنت اليوم قاعد محل ما كان يقعد الله يرحمه  ” تعيش وتاخد عمروا ” …. إيه يا جدي إيه , الله يعطينا عمر لرمضان الجاية …
لا أعلم ما هو سر كلامه , أبحث عن إجابات لأسئلة كثيرة ترد تباعاً , لا أجد جواباً لها أبداً …
لجدي اليوم أقول : أمد لله لنا في عمرك وبارك لك فيه  …  أعلم أن عشقي لزمانك ما كان لولا أنت
للناس أقول :  رمضان … أكسبوا رمضان , قد لا ترونه مرةً أخرى
* بيت النار : هو المكان الذي يوضع فيه الخبز لينضج , درجة حرارته تكون عالية جداً

Advertisements

خبز جدي اليوم

خبرٌ ساخن مع رائحةٍ عجيبة تحرّك عندك إحساسين أو أكثر , تشعر بالسعادة , إلى جانب جمالها تفتح عندك باب الشهية لتأخد أول خبزةٍ قد خرجت من الفرن وهي محمرة , وجهها كصبية في العشرين من العمر , سخونتها تدفعك للإحساس بذلك النوع من الدفء في أيام الشتاء الباردة , أنها أميرة متوجة على عرش جدي
تلك رؤيته  لكل خبزة يصنعها , منذ البدء بالعجن حتى خروج الخبزة من الفرن ” بيت النار ” كما يحلو لجدي تسميته , قلبه معلق معها , يريدها خبزة مثالية , تجمع الشكل والطعم واللون , كأنها أحد من أبناءه يرقص أمامه , منتهى السعادة عندما يسمع كلمات الشكر من الناس ” الله يسلم إيديك يا عمي على هالخبزات ” , عندما يسمع كلمات الثناء على عمله ينسى تعبه , يصبح للألم الذي وصل لكل جسمه متعة ما بعدها متعة
يحمّر وجهه و يصل إلى حالات الغضب تلك عندما تخرج حبيبته من الفرن ولم تكن على ما يتوقعه من جمال , أعلم أن الإنسان يوم زفافه يتوقع أن تكون زوجته بأجمل حلة , يتنظرها بفارغ الصبر متوقعاً نتيجة مذهلة , كأن أعراس جدي لا تنتهي , يريد زوجاته كلن بأبهى حلة …
ينتهي من عمله وهوايته وشغفه ,أهنئه لقد إستطاع أن يجمعهم كلهم مع بعضهم بآن واحد , فخرجت خبزته كما لم تخرج من يد فران من قبل , ينتهي من عمله مع إبتسامة ليلة مع بعد العرس , هل الماء ساخن يسأل جدتي وتلك قصة أخرى من قصص جدي فهما متزوجان منذ أن كان عمرهما خمسة عشر عاماً , تقول له نعم لقد أعددت لك ثيابك
أن التفاهم الغريب بينهما يدفعني للجنون فهما لم يعرفا بعضهما إلا في ليلة العرس وبعد ذهاب الناس , نجاحهما في بناء هذه العائلة و البقاء على نظرة الحب الأولى وهما في السبعين , مجرد ذلك يصيبني بهزات زمانية تجعل عشقي لذلك الزمان أكبر وأكبر
ما السر وراءك يا جدي , أهو فيك أنت , أم في الخبز , أم في زمانك , تذوقتُ الخبز كما لم أتذوقه من قبل , فهمت ما تقصد , الخبز فقط يا جدي , أم  الذي يصنع الخبر , أم ذلك الخبز والخبّاز  هما أمر عادي , الزمن هو المختلف
لذّة إعطاءكَ سمعي لا تضاهيها لذّة …
سأظل أسمعك و أسمعهم , يتكلمون عن ذلك الجميل المختبئ في الزمان  , عن ذلك الماضي البعيد