رشفة شاي

أعدت له إبريق الشاي , هو لا يحب الشاي إلا من يديها , وهي لا تبدع في صنع الشاي إلا عندما يكون خصيصاً  له , يمسك بالصحيفة اليومية وعيناه تراقبان يداها وهما تمسكان الإبريق برقة , يسمع صوت صب الشاي في الفنجان ويغمض عينيه , ذلك المشروب الخمري المدهش , عبقه لا زال يحدثه كيف إلتقى بها , كيف أخذت قلبه بلحظة , كيف طلبت منه أن يشرب الشاي وهو في منزل أهلها وهي تنظر إلى عينيه , يحدث نفسه بكل هذا والشاي لم يصل لشفتيه بعد  , قدمت له الشاي بفنجانه المفضل , وجلست أمامه وهي تمسك فنجانها أيضاً بدون أي كلمة .

تراقبه وهو يحتسي أول رشفة , وتنتظر سماع كلمات النثاء والدعاء لها , يضع الفنجان على الطاولة , ويبتسم ويثني على شايها اللذيذ ويتابع قرائته , هي الآن في أجمل لحظات عمرها , لقد أعجبه الشاي , لقد قال لي كلمات المحبة تلك , تحدث نفسها وتبتسم وهي ترشف الشاي معه أيضاً .

أمسك الصحيفة وأغلقها فجأة , قام وأمسك بمعطفه وأغلق الباب وراءه بدون حتى أن يودعها أو أن  يقول لها إلى أين , سارعت إلى فنجانه وتذوقت الشاي , إنه لذيذ فعلاً , لماذا جن جنونه وخرج هكذا , لكني لم أتنفس حتى بحرف , ما الذي جرى , أسئلة تنزل على نفسها كالسكاكين , تجلس مكانها وتبكي …

تبكي وتبكي وتزداد بكاءاً , لقد خرج من المنزل وهو غاضبٌ منها , لم تكن تدري متى سيعود , تسكت فجأة تجفف دموعها تسمع صوت المفاتيح وهي تدخل في الباب , دخل وهو يمسك خلف ظهره شيء ما , لم يرد أن تراه هي , طلب منها أن تغمض عينيها , هي الآن في الجنة , يكاد قلبها يتوقف , وبدأت تمغض عينيها رويداً رويداً تريد أن تسترق النظر قليلاً إلى عينيه , ثم قبّل رأسها , وطلب منها أن تفتح عينيها , هي لا تصدق ما ترى , وردة حمراء جورية , والآن بعد خمسين سنة من زواجهما , وردة جورية , تبسّم وقال لها برقة : ” كل عام وإنتِ بخير , اليوم عيد زواجنا , لقد نظرت إلى الصحيفة وأخذتني عيناي إلى التاريخ المدوّن في أسفلها ,أجل اليوم عيد زواجنا , قررت التجاهل كعادتي , ثم أخذت أول رشفة شاي , كدت أختنق , خرجت مسرعاً , لم أشئ أن تشاهدي دموعي , أتعرفين , أردت أن أقول أن الشاي لذيذ فقط , فقط ذلك , شكراً لكِ , شكراً من القلب “

أخفى وجه وأعاد فتح صحيفته , كان كبريائه الرجولي يمنعه من المتابعة أكتفى فقط بتلك الكلمات , هي وبإبتسامتها اللطيفة قالت : ” شكراً للشاي , وشكراً لك , اليوم وبعد خمسين عاماً , أنا التي نسيت عيد زواجنا لتتذكر أنت ذلك , كم أحب صحيفتك وكم أعشق هذه الوردة , وكم كنت محظوظة بك ذلك اليوم , سأعد لك الشاي مرةً أخرى ما رأيك ؟  ” , بادلها نظرة الحب تلك وطلب منها إعداد إبريق شاي آخر , وعاد ليقرأ في الصحيفة من جديد  .

4 thoughts on “رشفة شاي

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s